ابن عبد البر

169

الدرر في اختصار المغازي والسير

الدّبر سيذهب في الليل ، فإذا جاء الليل أخذناه . فلما جاء الليل أرسل اللّه عزّ وجلّ سيلا لم ير مثله ، فحمله ، ولم يصلوا إلى جثته ولا إلى رأسه . وكان قد نذر أن لا يمسّ مشركا أبدا . فأبر اللّه عزّ وجلّ قسمه ، ولم يروه ، ولا وصلوا إلى شيء منه ، ولا عرفوا له مسقطا . وأما زيد بن الدّثنة وخبيب بن عدي وعبد اللّه بن طارق فأعطوا بأيديهم « 1 » ، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة . فلما صاروا بمرّ « 2 » الظّهران انتزع عبد اللّه بن طارق يده من القرآن « 3 » ، ثم أخذ سيفه ، واستأخر عنه القوم ، ورموه بالحجارة حتى / قتلوه ، فقبره بمرّ الظّهران . وحملوا خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنة فباعوهما بمكة . وقد ذكرنا خبر خبيب وما لقى بمكة عند ذكر اسمه في كتاب الصحابة « 4 » ، وصلب خبيب - رحمه اللّه - بالتنعيم « 5 » ، وهو القائل حين قدّم ليصلب : ولست أبالي حين أقتل مسلما * على أىّ جنب كان في اللّه مصرعى « 6 » وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزّع « 7 » في أبيات قد ذكرتها عند ذكره في كتاب الصحابة . وهو أول من سنّ الركعتين عند القتل . وقال له أبو سفيان « 8 » بن حرب : أيسرّك - يا خبيب - أن محمدا عندنا بمكة تضرب عنقه وأنك سالم في أهلك ؟ فقال : واللّه ما يسرّنى أنى سالم في أهلي وأن يصيب محمدا شوكة تؤذيه . وابتاع زيد بن الدّثنة صفوان بن أمية ، فقتله بأبيه « 9 » .

--> ( 1 ) أعطوا بأيديهم : كناية عن انقيادهم . ( 2 ) مر الظهران : واد قرب مكة . ( 3 ) القرآن : القيد . ( 4 ) انظر الاستيعاب ص 167 حيث يذكر صلب عقبة بن الحارث بن نوفل له ثأرا لأبيه المقتول ببدر وما أظهر خبيب في صلبه من قوة ايمانه . ( 5 ) التنعيم : موضع خارج الحرم في الحل . ( 6 ) روى المشطر الثاني هكذا : على أي شق كان للّه مصرعى ، وروى : على أي حال كان في اللّه مضجعى . ( 7 ) أوصال : أعضاء . شلو هنا : جسد . ( 8 ) وروى هذا الخبر بين أبي سفيان وأبن الدثنة . ( 9 ) هو أمية بن خلف .